جناحا التقدم.. الحقوق والتنمية في اختبار أنسنة خطة 2030 الأممية

ضمن فعاليات الدورة الـ61 لمجلس حقوق الإنسان

جناحا التقدم.. الحقوق والتنمية في اختبار أنسنة خطة 2030 الأممية
مجلس حقوق الإنسان - أرشيف

داخل جلسات مجلس حقوق الإنسان الأممي في دورته الحادية والستين، تعود الأسئلة الكبرى لتطرق أبواب الضمير العالمي، فهل يمكن للتنمية أن تزدهر دون عدالة؟ وهل تُكتب لخطة 2030 الحياة إذا بقيت منفصلة عن روح حقوق الإنسان؟

هذه الأسئلة وغيرها تصدى لها تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان المطروح للنقاش خلال الدورة الممتدة من 23 فبراير حتى 31 مارس المقبل، واضعًا "أنسنة" التنمية المستدامة في قلب النقاش الأممي.

التقرير الممتد على 20 صفحة أُعد تنفيذاً لقرار مجلس حقوق الإنسان، واستند إلى استبيانات واسعة شملت الدول الأعضاء وجهات معنية أخرى، وهو التقرير الذي لم يكتفِ بتشخيص الفجوة بين الخطط والواقع، بل سعى إلى تقديم مسارات عملية لدمج حقوق الإنسان في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ما يحقق التقدم دون التضحية بالكرامة الإنسانية.

ومنذ اعتماد خطة 2030 بالإجماع، قطع العالم شوطاً لا يمكن إنكاره، فملايين البشر حصلوا على خدمات أساسية، وأكثر من نصف سكان العالم باتوا يتمتعون بشكل من أشكال الحماية الاجتماعية، وتراجعت وفيات الأطفال والأمهات، غير أن هذا الضوء لا يخفي الظلال، فالعالم لا يسير إلا نحو تحقيق نحو 35% من غايات الخطة فحسب، في حين يتعثر فيما يقرب من نصفها، ويتراجع جزء منها مقارنة بعام 2015.

ويعزو التقرير هذا التعثر إلى مزيج معقد من الأزمات، إذ تتسع النزاعات المسلحة، والتوترات الجيوسياسية، وتداعيات ظاهرة تغير المناخ، فضلاً عن الصدمات الاقتصادية، والديون المتفاقمة، وتقلص الحيز المدني، وتراجع المساعدات الإغاثية والتنموية، ما يُعمق الفوارق والفجوات، ويجعل التنمية تسير بخطى غير متكافئة.

ويقع في صميم التقرير فكرة محورية، وهي أن حقوق الإنسان والتنمية المستدامة ليسا مسارين متوازيين، بل عنصران متلازمان يعزز أحدهما الآخر، ولا سيما أن بناء أهداف التنمية على أساس حقوقي يكسبها وزناً قانونياً وشرعية أعمق، ويفتح الباب أمام المساءلة والمحاسبة، بدل أن تبقى مجرد التزامات طوعية حسنة النية لكنها غير مُلزمة.

ومن هذا المنطلق يولي التقرير أهمية خاصة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بوصفها مدخلا لمعالجة جذور عدم المساواة، فمكافحة الفقر، بحسب التقرير، وصلت إلى طريق شبه مسدود، تاركة أكثر من 800 مليون إنسان في فقر مدقع، ونحو 3.8 مليار بلا حماية اجتماعية، وفي عالم يمتلك فيه أغنى 1% ما يقارب نصف الثروة، لا يكتفي البعض بالتخلف عن الركب، بل يُدفعون قسرًا إلى الخلف.

ولم تعد عبارة "عدم ترك أحد خلف الركب" مجرد شعار، بل أصبحت التزاماً يتطلب سياسات شجاعة، وإعادة النظر في مقاييس الفقر، وتعزيز الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق، ومعالجة الفوارق الهيكلية. وفي هذا السياق قدم بعض الدول نموذجاً، مثل البرازيل التي سجلت أدنى مستويات الفقر والبطالة عبر توسيع الحماية الاجتماعية، وكيرالا الهندية التي أعلنت القضاء على الفقر المدقع.

ويؤكد التقرير أيضاً أن المساواة بين الجنسين تظل حجر زاوية في أي تنمية مستدامة، فرغم التقدم، لا تزال الفجوة قائمة، وتُظهر نماذج مثل شيلي التي أعادت الاعتبار لأعمال الرعاية، ومبادرات الأمم المتحدة لدعم نظم حماية اجتماعية مراعية للنوع الاجتماعي في أكثر من 20 دولة، كيف يمكن للسياسات الحقوقية أن تعيد توزيع الأعباء والفرص بعدالة.

كما يشدد التقرير على ضرورة ترسيخ مبدأ عدم التمييز عبر تشريعات شاملة، مستعرضاً إصلاحات قانونية في دول عدة، ومبادرات لإدماج الأقليات والفئات غير المرئية إحصائيًا، ما يحول البيانات إلى أداة إنصاف لا إقصاء.

ولا يغفل التقرير التحديات المالية، ففجوة تمويل أهداف التنمية مرشحة للاتساع إلى 6.4 تريليون دولار بحلول 2030، في ظل تراجع المساعدات وارتفاع الإنفاق العسكري، كما أن أزمة الديون تخنق بلداناً تنفق على فوائدها أكثر مما تنفق على الصحة والتعليم، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لإصلاح هيكل الديون ودعم الاقتصادات الهشة.

وعلى المستوى المحلي، يبرز التقرير أهمية نقل خطة 2030 من الورق إلى الشارع، مستشهداً بتجارب مدن مثل لوس أنجلوس، وبإطار "مدينة حقوق الإنسان" الذي يربط الحوكمة المحلية بالعدالة الاجتماعية.

وفي مواجهة المستقبل يلفت التقرير إلى التحولات الديموغرافية، والتحضر المتسارع، وصعود الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذه التحولات قد تكون فرصة أو تهديداً، تبعاً لمدى مواءمتها مع معايير حقوق الإنسان، ومن ثم فإن إدماج الصبغة الحقوقية في صميم تنفيذ خطة 2030 لم يعد ترفاً أخلاقياً، بل شرط لتسريع التقدم، وتقليص الفوارق، وبناء تنمية لا تترك أحداً خلفها، ولا تُفرط في حق الأجيال القادمة في عالم أكثر عدلًا وإنسانية.

 



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية